محمد باقر الملكي الميانجي

49

مناهج البيان في تفسير القرآن

يعرف أنّ ذلك المبلّغ ملك معصوم لا شيطان مضلّ ؟ والحقّ أنّه لا يمكنه القطع بذلك إلّا بناء على معجزة تدلّ على أنّ ذلك المبلّغ ملك معصوم لا شيطان خبيث . وعلى هذا التقدير ، فالوحي من اللّه تعالى لا يتمّ إلّا بثلاث مراتب في ظهور المعجزات : المرتبة الأولى : إنّ الملك إذا سمع ذلك الكلام من اللّه تعالى ، فلا بدّ له من معجزة تدلّ على أنّ ذلك الكلام كلام اللّه تعالى . المرتبة الثانية : إنّ ذلك الملك إذا وصل إلى الرسول ، لا بدّ له أيضا من معجزة . فثبت أنّ التكليف لا يتوجّه على الخلق إلّا بعد وقوع ثلاث مراتب من المعجزات . أقول : نحن في غنى وسعة عن هذه التكلّفات ؛ إذ قد عرفت أنّ الأمر أجلّ وأعلى من ذلك . وقد جرت سنّته تعالى الحميدة القيّمة أن يؤيّد أنبياءه ورسله بروح القدس ؛ وهو العلم المفاض على المعصوم على سبيل الكرامة الخارقة للعادة . فبه يعرفون هذه الأنواع الثلاثة من التكليم . وبه يأخذون ما يأخذون ، ويشاهدون الآخرة وأهلها والملك من أهل الآخرة . وأمّا العلوم المتعارفة - أي : القطع البرهانيّ ومكاشفة العارف - وإن كان غاية طاقة البشر في باب تحصيل العلوم والأسف أنّ إصابة الواقع وعدمه مستورة عن القاطع والمكاشف ، وخارجة عن اختيارهما . والسرّ في ذلك أنّ القطع البرهانيّ ومكاشفة العارف ليس نورا وكشفا عن ذاته ، فضلا عن معلومه . فإنّك ترى عظماءهم وأهل البصيرة منهم ، يختلفون في مسألة واحدة ، ويخطّئ بعضهم بعضا . وإنّما هو طريق عاديّ بين عقلاء الأمم ، أصاب أو أخطأ . وعليه مدار نظام العالم في كثير من شؤونهم وأمورهم . غاية الأمر أنّه لو على فرض جواز تحصيل هذا العلم وسلوك هذا الطريق المخوف المهول في المعارف الإلهيّة ، يكون عذرا للعالمين بهذا العلم ، إن لم يتسامحوا في طريق تحصيله وتحقيقه ؛ بخلاف علوم الأنبياء والرسل ، فإنّه نور بذاته ، وحجّة بذاته على ذاته ، وحجّة بذاته على معلومه أيضا . فالأنبياء والرسل يبشّرون بمن يجيء بعدهم واللّاحق منهم يصدّق جميع ما جاء به الأوّلون . ولو كان من عند غير اللّه ، لوجدوا فيه اختلافا كثيرا .